Skip to main content

أخبار و نشاطات

"لماذا نتحاور؟".. وليم وردا يقدّم خارطة طريق لمأسسة الحوار في المجتمع المسيحي بالعراق

شارك السيد وليم وردا مدير العلاقات العامة لمنظمة حمورابي لحقوق الإنسان في الندوة الحوارية الأولى من برنامج "لنتحاور"، التي حملت عنوان "لماذا نتحاور؟" ونظّمها المركز الثقافي الآشوري بالتعاون مع منظمة كابني (CAPNI) مساء السبت الخامس والعشرين من تموز 2026 على قاعة المركز في دهوك، وبُثّت مباشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وقدّم وردا في مداخلته رؤية متكاملة لمفهوم الحوار وشروطه ومعوّقاته، خلص فيها إلى خارطة طريق عملية لبناء ثقافة حوارية داخل المكوّن الكلداني الآشوري السرياني، مؤكداً أن الحوار لا ينجح بالنيات الحسنة وحدها، بل بالبنية المؤسسية التي تحوّل هذه النيات إلى التزام قابل للمتابعة والمحاسبة.

الحوار: وظائف ثلاث وشروط ستة

شدّد وردا على ضرورة أن ينطلق الحوار من القضايا الأدنى إلى الأعلى تدريجياً، لأن البدء بكبريات الملفات الخلافية كثيراً ما يقوّض العملية برمّتها قبل أن تبدأ.

وأوضح أن للحوار ثلاث وظائف أساسية:

  • وظيفة معرفية تتيح فهماً أدقّ للواقع عبر تبادل معلومات لا يملكها طرف بمفرده؛
  • وظيفة تفاوضية توزّع المصالح المتضاربة بكلفة أقل من كلفة الصراع المفتوح؛
  • وظيفة تأسيسية للشرعية، إذ يحظى القرار الناتج عن الحوار بقبول أوسع من القرار المفروض.

كما حدّد شروطاً لنجاح أي حوار جادّ، في مقدمتها الاعتراف المتبادل بالآخر، والتكافؤ بين الأطراف، ووجود أجندة قابلة للتفاوض ومعايير مشتركة، وضمان عدم توظيف الحوار كسلاح إعلامي أو قضائي ضد الطرف الآخر، وحياد الجهة الميسِّرة والراعية بحيث لا تكون لها مصلحة مباشرة في نتيجة بعينها، إضافة إلى سقف زمني محدّد وأمانة عامة تتابع تنفيذ ما يُتفق عليه.

لماذا يتهرّب البعض من طاولة الحوار؟

قدّم وردا قراءة صريحة لأسباب إحجام أطراف عن الحوار، أبرزها: امتلاك بعضها موقع قوة لا مصلحة له في إعادة توزيعه، والخشية من أن يُقرأ الجلوس مع طرف معيّن — لدى القاعدة الشعبية أو الجهات الخارجية الداعمة — بوصفه اعترافاً ضمنياً بشرعيته، وغياب الثقة الذي يجعل الحوار يبدو مضيعة للوقت أو تمهيداً لكمين إعلامي، خصوصاً في ظل تجارب فاشلة سابقة، فضلاً عن ارتباط بعض الأطراف بمرجعيات خارجية لا يملك معها هامش قرار مستقل.

وأشار إلى أن أطرافاً تفضّل مسارات بديلة أقلّ كلفة وأضمن نتيجة: اللجوء إلى القضاء، أو التحالف مع حزب حاكم أو جهة متنفذة، أو الاحتكام إلى الشارع والإعلام لخلق ضغط شعبي، أو فرض الأمر الواقع بالاستيلاء على موقع أو مؤسسة أو تمثيل ثم التفاوض لاحقاً على تثبيته لا على تغييره. ونبّه إلى أن هذه المسارات ليست غير مشروعة بالضرورة، لكنها تكشف أن الحوار يفقد جاذبيته كلما توافرت بدائل أرخص لمن يقدر على استخدامها.

متى لا يكون الحوار مجدياً؟

حذّر وردا من المبالغة في «تقديس» الحوار، لأنها تنتج خيبات أمل تضعف الثقة به لاحقاً. فالحوار — بحسبه — غير مجدٍ حين تكون القضية حقاً قانونياً واضحاً لا يحتمل التفاوض، إذ المبدأ لا يُفاوَض عليه، بل يُطبَّق أو يُنتهَك؛ وغير مجدٍ حين يقصده طرف لكسب الوقت لا للوصول إلى نتيجة؛ وغير مجدٍ حين يفتقر إلى قدرة تنفيذية، فلا ينتج سوى توصيات تُحفظ في الأرشيف.

خمسة مداخل لبناء ثقافة الحوار

ولمعالجة الانقسام السياسي والديني والمذهبي داخل المجتمع المسيحي في العراق، اقترح وردا خمسة مداخل:

  1. الفصل بين طبقات الحوار: حوار داخل المكوّن أولاً، ثم حوار مع المكوّنات الأخرى والدولة والإقليم؛ فالقفز إلى حوار شامل قبل ترتيب البيت الداخلي ينتج مكوّناً يتفاوض بأصوات متعددة متناقضة، فيضعف موقعه ورسالته.
  2. البدء بالملفات التقنية قبل الهوياتية: الاتفاق على آلية حماية الكوتا الانتخابية ومنع اختراقها أيسر من الاتفاق على من يمثّل الشعب باسم واحد، والنجاح الصغير يبني ثقة تؤهّل للقضايا الأصعب.
  3. حياد المنصة الراعية: تشكيل هيئة تيسير مستقلة تدير العملية دون مصلحة في نتيجتها.
  4. ميثاق شرف صارم لسرية الحوار: فأكبر قاتل للحوار هو تسريب ما يُقال داخل الغرف ليتحوّل إلى حرب بيانات علنية.
  5. فصل الخلاف السياسي عن الشخصي: إذ اتخذت معظم الانقسامات المسجّلة طابعاً شخصياً حاداً أكثر من كونها خلافاً على البرنامج السياسي.

ثلاث دوائر حوار متزامنة

ورداً على سؤال حول كيفية إطلاق حوار بين الأحزاب والقوى الآشورية والقيادات الكنسية، دعا وردا إلى الفصل بين ثلاث دوائر متزامنة لا دائرة واحدة:

  • دائرة سياسية حزبية بين الأحزاب القومية الفاعلة لصياغة برنامج حدّ أدنى مشترك.
  • دائرة دينية مؤسسية بين الكنائس لتحديد موقعها من التمثيل السياسي: هل تنخرط الكنيسة في العمل السياسي أم تكتفي بدورها الأخلاقي والرمزي؟
  • دائرة تقاطع بين الدائرتين، قد تتخذ شكل مؤتمر قومي عام يصوغ موقفاً موحداً من القضايا المصيرية يُقدَّم إلى الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان — على أن تُرتّب كل دائرة وضعها الداخلي أولاً.

الشباب والنساء وتحصين الحوار من الاختراق

أكد وردا على دور أساسي للشباب والنساء في صياغة الحوار، وعدم الاعتماد كلياً على القيادات الحالية ذات التكوين التقليدي، في حين أن القاعدة الديموغرافية للمكوّن — ولا سيما في الشتات — أصغر سناً وأكثر تنوعاً.

وشدّد على تحصين الحوار من محاولات الأطراف الخارجية اختراقه أو توظيفه، لأن لكل من الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان مصلحة مباشرة في نتيجة تمثيل هذا المكوّن. وأوصى بحماية عملية تقوم على سرية مضمون النقاش مع علنية قواعده الإجرائية، وحضور مراقبين مستقلين يشهدون الجلسات الافتتاحية والختامية على الأقل.

خارطة طريق مقترحة

اختُتمت مداخلات وردا وإجاباته بخارطة طريق عملية تتضمن: تشكيل هيئة تيسير مستقلة من أكاديميين وقانونيين من المكوّن غير حزبيين؛ ثم حوار داخلي مغلق بين الأحزاب لصياغة نظام داخلي ملزم يحوّل الاجتماعات الدورية غير الملزمة إلى إطار مؤسسي بآلية قرار واضحة؛ وحوار موازٍ بين ممثلي الكنائس حول حدود دورها في التمثيل السياسي؛ ثم ورشة تقنية مشتركة لصياغة الأولويات بدءاً من الأسهل ضماناً للاتفاق؛ وإشراك ممثلي الشتات والشباب والنساء في عملية الحوار وفي هيئة التيسير؛ وصولاً إلى مؤتمر قومي عام يعتمد ميثاقاً موحداً ويؤسس أمانة عامة دائمة تتولى المراقبة والمتابعة الدورية ضماناً للاستدامة.

 

من الجدير بالذكر، أن الجلسة الحوارية قد شارك في نقاشاتها كل من: خالص إيشوع النائب السابق في البرلمان العراقي، ويونادم كنا النائب السابق في البرلمان العراقي، وسوزان خوشابا النائبة السابقة في برلمان إقليم كوردستان، وضياء بطرس رئيس الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في إقليم كوردستان العراق. كما قد يسر الجلسة الحوارية الاستاذ نينب لاماسو وهو ناشط وباحث آشوري.