Skip to main content

الانتظار..رؤية نحو المستقبل

 

   ان تنتظر شيئا، يعني انك تنتظر المستقبل وليس الحاضر او الماضي، أيا كان هذا الشيء الذي تنتظره، سلبيا كان ام إيجابيا.

   هذا من جانب، ومن جانب آخر، يعني انك تستعد له نفسيا وشعوريا وفكريا وربما جسديا.

   في ذكرى مولد الأمل، الامام الثاني عشر المنتظر (عج) من أئمة اهل بيت رسول الله (ص) في الخامس عشر من شعبان المعظم، نلحظ ان المنتظرين على نوعين:

   الاول؛ هو الذي ينتظره بطريقة سلبية، فيضع يدا على يد، يرفض ان يعمل ولا يقبل بأي نشاط، وقد يعتزل الناس فيختار الجبال والكهوف بعيدا عن المدينة، بحجة انه ينتظر الموعود فلا يريد ان ينشغل بالحياة الدنيا!.

   هذا النوع هم الفاشلون والسلبيون والذين ليس لهم نصيب من الدنيا، لا بالعلم ولا بالاقتصاد ولا بالمجتمع ولا باي مجال من مجالات الحياة التي خلقها الله تعالى فسخرها لعباده، كما في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وقوله تعالى {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ}.

   الثاني؛ هو الذي يفهم الانتظار على انه استعداد للمستقبل، فيجدّ ويجتهد ويسعى ويحاول وينجح وينجز ويتحرك ويتحمّس ويتفاعل ويهيّء ويصحّح ويُصلح ويحسّن ويطوّر ويسخّر ما خلق الله له في الارض وما تحتها والسماء والبحار وما فيهما.

   انه تعبير عن الفهم الصحيح والسليم لجوهر معاني الانتظار، والذي يعني اولا وقبل اي شيء آخر، النظر الى المستقبل وعدم الانشغال بالماضي فقط، وبهذا الصدد يقول الامام الشيرازي الراحل (قدس سره) في كتابه الرائع (فقه المستقبل) [ان معرفة المستقبل امر واجب في الجملة، والتخطيط له واجب آخر، لأنهما مقدمة الواجب، وهي، وان لم تكن كذلك شرعا، الا انها لازمة عقلا، وبهما يتم تحقيق أغراض المولى جلّ وعلا الملزمة، وهذه تُعد اول خطوة في هذا الاتجاه، فاللازم معرفة المستقبل بكل ابعاده واجزائه وجزئياته، فبدون المعرفة لا يستطيع الانسان ان يُحسن التخطيط للمستقبل، وبدون حسن التخطيط لا يملك الانسان حلولا له، وربما أوجب المستقبل سقوطه].

   فما هي، يا ترى، أسس الرؤية المستقبلية في إطار فلسفة الانتظار؟.

   اولا: الانطلاق من الماضي للمستقبل، وعدم التوقف عنده، كما يفعل البعض.

   ان الماضي مهم بلا شك، ولكنه لن ينفع الانسان اذا توقّف عنده، لانه سيعجز عن ان يعيشه اولا، وهو أعجز من ان يغيّر او يبدّل فيه مقدار أنملة، ثانيا، فالماضي حجّة على اهله، اما الحجة علينا فهو الحاضر الذي نعُدّ فيه للمستقبل، ولذلك فعندما سأل فرعون موسى عليه السلام بقوله {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ} أجاب نبي الله بقوله {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى}.

   الماضي، اذن، ليس حجة علينا ابدا، كيف يكون حجّة علينا ونحن لم نشهده ولم نشترك في صناعته؟ كيف يحاسبنا الله تعالى عليه، وهو العَدْلْ، ونحن لسنا جزءا منه؟ إنما هو درس وتجربة وعبرة، كما يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

   ثانيا: ان صناعة الرؤية المستقبلية بحاجة الى أدوات معينة، وعلى رأسها مراكز الأبحاث والدراسات التي تهتم بجمع المعلومات وتحليلها ودراستها وتوظيفها في رسم الرؤية للمستقبل.

   وكلنا يعلم علم اليقين، بأنّ واحدة من ابرز نقاط قوة الغرب التي تمكن بها من رسم معالم مستقبله ووضع خارطة طريق للمستقبل، هي مراكز الأبحاث التي تنتشر في كل مكان وبمختلف الاهتمامات، ولذلك تراهم يمتلكون رؤية واضحة في كل مناحي الحياة، فيما ترى شعوبنا تتخبط خبط عشواء لا تدري ماذا يراد لها وبها كما يصف ذلك أمير المؤمنين عليه السلام {كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلاَفِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا} لأننا لا نقرأ وإذا قرأنا لا نحفظ وإذا حفظنا لا نحلّل وإذا حلّلنا لا نتعلم وإذا تعلمنا لا نستفيد وإذا استفدنا فسنستفيد متأخرين او بعد فوات الأوان، وصدق أمير الؤمنين (ع) الذي قال {مِنَ الْخُرْقِ الْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ الاِْمْكَانِ، وَالاَْناةُ بَعْدَ الْفُرْصَةِ}.

   ان مراكز الأبحاث ثقافة يجب علينا ان نتعلمها ونهتم بها، لتكون جزءا لا ينفك من حياتنا اليومية، نؤسسها في كل مكان، في الجامعة وفي المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني وفي المدارس والعتبات المقدسة وفي حوزاتنا الدينية وفي دور العبادة، لتتحول عندنا ثقافة البحث والتحقيق والتدقيق والمعلومة وتحليلها الى ثقافة، فلا نتحدث قبل ان نعود اليها، ولا نكتب قبل ان نطّلع على آخر أوراقها البحثية، ولا نقرر قبل ان نصغ اليها، وهكذا، لنكون اكثر علميّة ومنطقا في حياتنا اليومية نبتعد عن الارتجال والإنشاء والتهريج الاعلامي الذي احاط بنا من كل جانب.

   ولكي تنجح مراكز الأبحاث عندنا، ينبغي ان يتميز المؤسسين والعاملين فيها، بما يلي:

   الف: العلمية من خلال الالتزام بشعار الاية {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فلا يقبلون معلومة قبل التثبّت، ولا يرفضون اخرى قبل الياس منها، يطاردون المعلومة أينما كانت وعند من كانت وكيفما كانت.

   باء: سعة الاطلاع التي تمكّن المرء من تحليل المعلومة بشكل دقيق، والتي تمنح الباحث، كذلك، عمقاً في الرؤية على اعتبار ان المعلومات شبكة واسعة ومتشعّبة لا يمكن لمحدود الثقافة ان يفكّكها ويوظّفها بشكل سليم.

   جيم: ان لا يكونوا يحملون في أذهانهم أحكاما مسبقة، لان ذلك يحدد معارفهم وتفكيرهم وتاليا يضيّق عليهم مجالات التفكير الواسعة.

   دال: الغاء كل الخطوط الحمراء عند البحث في أية قضية من القضايا المطروحة، طبعا من دون اللجوء الى سياسات الاتهام والتسقيط والتشكيك بالنوايا وغير ذلك.

   ان الباحث كلما زادت من حوله الخطوط الحمراء ومساحات اللامفكر فيه او اراضي الحرام التي لا يحق له اقتحامها، كلما اقترب اكثر فاكثر من الفشل، والعكس هو الصحيح، ولذلك ينبغي ان يتمتع الباحث بحرية الرأي والتفكير بأقصى مداها وأوسع مساحاتها، ليصدُق قوله تعالى {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} بشكل صحيح وفعّال.

   دال: ان ينصب كل اهتمام الباحثين في هذه المراكز على قراءة المستقبل والسعي لرسم معالمه، من خلال دراسات استراتيجية جادة ومعقمة، وعدم الانشغال بتحليل الآني من الاخبار والأحداث، فان لها مجالها، وكذلك ينبغي نشر الاوراق البحثية في وقتها لان تاخيرها قد يضيّع فرصة على المعنيّين للاستفادة منها عند التخطيط ووضع البرامج.

   هنا يجب ان ننتبه الى نقطة حساسة في غاية الأهمية، وهي:

   على اعتبار ان مراكز الأبحاث تتمتع بحرية كاملة، ولذلك فقد تصل الى نتائج حساسة وأحيانا خطيرة، قد لا يتقبلها المجتمع او النظام السياسي او النخبة سواء كانت (الطبقة الدينية مثلا او الثقافية او ما أشبه) لذلك يمكن ان تقسّم أوراقها البحثية الى نوعين، الاول؛ هو المخصص للنشر العام لصناعة رأي عام سليم وصحيح في القضايا العامة، والثاني؛ هو المخصص لمن يهمه الامر من اصحاب الرأي والمعنيين بالقضية مورد النقاش، اذ ليس بالضرورة ان يفكر الباحث بنشر كل ما يصل اليه من نتائج في القضايا مورد البحث، فقد يكون أثرها سلبيا على المجتمع اذا ما تم نشرها على الملأ، او قد تسبب إحباطا عاما او لا تساعد في حل او تدفع باتجاه التعقيد اكثر فاكثر.

   انه امر طبيعي جدا ومنطقي وعقلي ان تنقسم الأبحاث الى عام وخاص، فإذا كان الهدف الحقيقي من البحث هو المساهمة في توضيح الصورة وتنوير المناطق المعتمة في أمر من الامور، لذلك قد يتحقق ذلك بالنشر العام، وقد يتحقق بالنشر الخاص، خاصة اذا كان الموضوع المطروح يحتاج الى معالجة من اصحاب القرار او ذوي الاختصاص، ولذلك نرى حتى في الغرب، فليس كل الأبحاث تُنشر على الملأ، كما انها ليست كلها خاصة لطبقة دون اخرى.

   ١٠ حزيران ٢٠١٤

                     للتواصل:

E-mail: nhaidar@hotmail. com

Face Book: Nazar Haidar 

WhatsApp & Viber: + 1 (804) 837-3920