Skip to main content

ميناء العطر وثورة المظلات

 

على الرغم من سوء الأحوال الجوية والأمطار الهائلة ظلّت أعداد متظاهري هونغ كونغ تتزايد، في مشهد سينمائي مثير، وهم يحملون المظلات الملونة . حصل ذلك عشية العيد الوطني للصين التي أطلق عليها ماوتسي تونغ الزعيم الشيوعي الشهير "الصين الشعبية" في عام 1949 بعد انتصار ثورتها .

السلطة المحلية عجزت عن احتواء الحراك المظلّي الذي يقوده الطلبة، كما عجزت عن تخويف سكان الجزيرة بأن هذا الحراك سيؤثر على المركز المالي المرموق الذي تحتله هونغ كونغ عالمياً، وكان الحراك قد طالب رئيس السلطة التنفيذية بالتنحي، وإلى مقاطعة العيد الوطني والإصرار على إبعاد هيمنة بكين على البرامج التربوية والتعليمية، ولكن هذه الأهداف المطلبية تقف وراءها نزعة استقلالية لا تريد الاندماج بالصين وخسارة أجواء الحرية والليبرالية التي تتمتع بها هونغ كونغ .

بكين من جهتها حاولت اعتبار ما يحدث في هونغ كونغ، شأن صيني داخلي بحت، ولا علاقة لأي جهة خارجية به، في محاولة للغمز من مواقف الدول الغربية، ولاسيّما الولايات المتحدة التي أعلنت تأييدها للمطالب الاحتجاجية، ولكن الصين تنسى مجدداً أن قضية حقوق الإنسان، أصبحت قاعدة من قواعد القانون الدولي، ولها صفة علوية على بقية القواعد الأخرى، الأمر الذي يحتاج إلى أخذه بنظر الاعتبار دون مغالاة أو تطرّف في الادعاء بأن ما يحصل في الصين لا يعني الغير، فبكين وواشنطن ولندن وباريس وبروكسل، مثلها مثل موسكو وطهران وصنعاء وبغداد ودمشق وبيروت، كل ما يحدث فيها إنما هو شأن كوني مشترك، بقدر كونه تعبيراً عن واقع محلي .

صحيح إن القوى المتنفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية تحاول تكييف القوانين والقواعد الدولية لصالحها بحكم قوتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والعلمية والثقافية، وبحكم أنظمة الحكم فيها، الأمر الذي يضع البلدان النامية جميعها في خانة الاستهداف . وإذا كانت الصين لا تصرّح بأنها دولة عظمى وتزعم باستمرار أنها "دولة نامية"، على الرغم من عضويتها في مجلس الأمن الدولي والقوة المالية والاقتصادية الهائلة واحتياطيها من العملة والموارد الطبيعية التي تمتلكها وتقدمها التكنولوجي والعلمي وقوتها العسكرية، وهو ما تلمّسه الكاتب لدى حواره مع المعهد الصيني للدراسات الدولية في بكين خلال زيارته مع وفد منتدى الفكر العربي، والسبب أن الصين لا تريد أن تأخذ على عاتقها أو تلزم نفسها بما تقتضيه استحقاقات ومتطلبات الدولة العظمى، ناهيكم عن أن تجربة الاتحاد السوفييتي أمامها ولا تريد تكرارها، على الرغم من خفوت اللون الأيديولوجي .

الصين لا تريد لأحد التدخل في مسألة الاحتجاج الشعبي الذي شهدته هونغ كونغ مؤخراً، ولديها حساسية شديدة من ذلك، وسبق لها أن اتخذت مواقف حادة بشأن مسألة مسلمي الإيغور في مقاطعة شينجيانغ أو بخصوص بوذيي التيبت أو كاثوليك شنغهاي، وإذا استوجب الأمر فقد لا تبالي باستخدام القوة لإخضاع محتجي هونغ كونغ، وهذا ما كان يخشاه بعضهم، لأن تجربة ساحة تيان آن مين في عام 1989 لا تزال في الذاكرة العالمية، مثلما هي طرّية في الذاكرة المحلية .

لقد واجهت الصين تحدّيات كبيرة بخصوص الانتقال الهونغ كونغي إليها، لاسيّما أن هونغ كونغ التي خضعت للإدارة البريطانية طيلة 99 عاماً كانت تتمتع بنظام ليبرالي في حين أن الذي يحكم بكين على الرغم من الانفتاح في السنوات الأخيرة هو نظام شمولي لا تزال أسنانه قوية وحادة، وهو مستعد لقضم هونغ كونغ إن لم تخضع لما يريده لها .

وقد اضطرّت بكين إلى اتباع أساليب مرنة مع هونغ كونغ قياساً ببقية أجزاء الصين، لاعتبارات تاريخية ولكي يتم تقريبها تدريجياً للانضواء تحت لواء الصين الشيوعية، وهكذا ظلّت هونغ كونغ بمثابة دولة شبه مستقلة أو تتمتع بشيء من الاستقلال الذاتي . وكان يفترض أن يستمر الوضع حسب الاتفاق البريطاني- الصيني الذي حصل في عام 1997 للانتقال السلس لهونغ كونغ إلى الصين لمدة خمسة عقود من الزمان، أي حتى عام ،2047 لكن بعض السياسيين خشوا من ذلك وعملوا لتحقيق استقلال ناجز قبل أن يحين الموعد المقرر، حيث تم تحديد عام 2017 موعداً للانتخابات الرئاسية على طريق الاستقلال .

وإذا كان الغرب ولاسيّما الولايات المتحدة قد أيّدت المتظاهرين وندّدت بشدة بإجراءات الحكومة الصينية، فإن الأمر خلق حساسية داخلية شديدة لاتهام بعض أجزاء المعارضة بموالاة الغرب،وهو ذاته ما حصل في أوكرانيا، التي انغمست في احترابات لم تشف منها، لاسيما بعد قضم روسيا شبه جزيرة القرم، واستمرار الاتهامات الروسية لأوكرانيا بالولاء للغرب .

الخشية هي من البيئة الحاضنة للقوات الأمريكية التي قد تتفاعل مع قوات كورية جنوبية ويابانية وفلبينية وغيرها، ولكن هذه البلدان لا تحبّذ أي صدام مع الصين، وإنْ كان الجميع لا يؤيد فرض الصين هيمنتها على هونغ كونغ . وتدرك هونغ كونغ قيمتها وقوتها الاقتصادية ولا تريد لنفسها أن تكون بقرة حلوب تضخّ الأموال في شرايين الدولة الصينية دون أي مقابل يذكر، لكن أحلام الصين وطموحاتها كبيرة، وخصوصاً بعد استعادة ماكاو، وتريد الآن إدماج هونغ كونغ، خصوصاً وهي ترى في نفسها بوابة كوريا الشمالية عالمياً .

وإذا كانت الصين قد قضت على انتفاضات وحركات تمرّد لمسلمين وبوذيين فإن خروج هونغ كونغ اليوم لا يؤدي إلى خسارة اقتصادية للصين فحسب، بل يضعف من هيبتها في القارة الآسيوية وعلى المستوى الكوني، خصوصاً وهي التي استمرت بنعومة تتوغل في العديد من المجالات الحساسة، بما فيها إلى واشنطن عبر إمبراطورية اقتصادية واسعة وطموحات غير تقليدية .

ولعلّ الصراع بين النزعة الاستقلالية والنزعة التوحيدية سيستمر وقد يأخذ منحىً جديداً بعد الأحداث الأخيرة، خصوصاً وأن هناك نخبة سياسية واجتماعية ازدادت قوة بتلاحمها مع أوساط اليسار وهي تحتل مواقع مهمة في الإدارة، وتميل إلى "الوطن الأم" وبالتالي فهي لا تريد إقرار الاقتراع العام دون "قيود" من جانب بكين، التي تشترط تعيين المرشحين المقبولين لخوضه أو إذا كان الأمر عكس ذلك، فلا بدّ من إلغائه، أي إنها تريد النتيجة سلفاً وهذا يعني الإبقاء على ما هو قائم وانتخاب رئيس السلطة التنفيذية عن طريق الناخبين الكبار الذين يعتبرون في غالبيتهم الساحقة ممالئين للصين .

لعلّ ثورة المظلاّت هي أحد مآزق الصين الجديدة، فهي لا تستطيع أن تتخلى عن هونغ كونغ وتخشى حدوث فوضى، وفي الوقت نفسه ليس بوسعها إعادتها إلى الحظيرة باستخدام أسلوب تيان آن مين، حيث أغرقت الساحة بدماء المئات من الصينيين المحتجين عام 1989 .

ويظل "ميناء العطر" وهو ترجمة لكلمة هونغ كونغ، تتنازعه عوامل عديدة منها حلم بعض مواطني هونغ كونغ بالوحدة مع الصين ولكن بنظامين مختلفين، كما يتم التعبير عنه، أو باستقلال ذاتي يحفظ لهونغ كونغ خصوصيتها وهويتها الفرعية .


صحيفة الخليج الاماراتية ، الاربعاء 12/11/2014