Skip to main content

من أوراق الجنادرية

 

ثمة كلام في الأمن القومي العربي، خصوصاً دور الإسلام السياسي في المرحلة الراهنة وتأثيره في صنع المستقبل العربي الجديد، لاسيّما في ظل التغييرات التي حصلت في العديد من البلدان العربية في موجة ما سمّي بالربيع العربي التي ابتدأت من تونس ومرّت بمصر وليبيا واليمن، ولا تزال هذه الموجة عاصفة مستمرة في سوريا، لم تهدأ ولم تستقر، سواء ب"جنيف -1" أو ب"جنيف -2" وقبل اجتماع ميونيخ وبعده .

ورغم أن الموجة متواصلة، لكنها شهدت تغييرات على وجهتها ومسارها، فضلاً عن المنقلبات التي صادفتها خلال حركتها، وهي تكاد تنعكس على جوهرها وعلى الأهداف التي أرادت الوصول إليها، خصوصاً في ظل منعرجات موضوعية وذاتية، وتحديات داخلية وخارجية، وعوامل كبح قديمة وجديدة، إضافة إلى الفوضى العارمة التي صاحبتها، أقول ذلك وأستدرك، لأن الاستفتاء على الدستور المصري الذي جرى في 14-15 يناير/ كانون الثاني الماضي 2014 وبنسبة زادت على 98% من مجموع المصوتين 38%، وكذلك إقرار صيغة الدستور في الجمعية التأسيسية التونسية بالتصويت عليه بنعم من جانب 200 عضو من مجموع 217 وهو عدد أعضائها في 26 يناير/ كانون الثاني الماضي، كانا خطوتين موفقتين لاسيّما بالتوافق الوطني مقاربة لأهداف الثورتين .

ولعلّ موجة التغيير سعت إلى تلمس طريقها حتى وإن كان بصعوبة ومعاناة كبيرة بما فيها في البلدين، من خلال رحلة شاقة وبخسائر فادحة، وكانت بحضور شعبي ومشاركة الجيش مجدداً في مصر، وبتوافق بعد مسار عسير في تونس، وحوار مضنٍ ومعقّد في اليمن وبوساطة خليجية، واضطراب وتشوّش مازال يطبع التجربة الليبية التي كانت المعاناة فيها مضاعفة بسبب تدخل حلف الناتو .

كل ذلك كان محطّ اهتمام ونقاش في مهرجان الجنادرية السنوي (التاسع والعشرين) لهذا العام، واكتسب الأمن القومي العربي، بما فيه أمن الخليج أهمية خاصة، وبالطبع فلا يمكن الحديث عن أمن أي بلد عربي أو أمن مجموعة من الدول من دون الحديث عن أمن عربي، وكذلك أمن إقليمي، بل وأمن دولي، وثمة عوامل مؤثرة ومتداخلة ومتفاعلة سلباً أو إيجاباً على السلم والأمن على مستوى العالم وعلى مستوى الإقليم وعلى مستوى كل دولة .

وإذا كان الأمر مترابطاً على نحو دقيق فإن صلته عميقة وجوهرية بالأمن الداخلي لكل دولة ارتباط بأمنها الخارجي، وهذا يعني بالضرورة تناول الأمن الإنساني الذي نجد له في تراثنا امتدادات مهمة سواء في القرآن أو في السنّة النبوية، "وآمنهم من خوف وأطعمهم من جوع" .

ويقتضي الأمن الإنساني توفير القدر المناسب من الخدمات الضرورية والحاجات الأساسية للإنسان، مثل العمل والتعليم والصحة، وذلك بتقليص الفوارق الاجتماعية والسعي للقضاء على الفقر والجهل، وبناء الهياكل الارتكازية الضرورية للحاق بالركب العالمي، خصوصاً في ميادين العلوم والتكنولوجيا والبيئة، والقضاء على التصحّر والجفاف والأوبئة وغير ذلك، وبالطبع فإن الحاجة إلى الحقوق السياسية والمدنية هي المدخل الأساسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتلبية حاجات الإنسان الروحية، وكلّما كان أمن المجتمع الداخلي سليماً، أصبح سياجاً لحماية أمن الدولة داخلياً وخارجياً، باحترام سيادة القانون وحقوق الناس، تلك التي على الدولة تنظيمها وحمايتها بما يتفق وتوفير الأمن الإنساني على جميع الصُعد .

ثمة عوامل مؤثرة في الأمن القومي العربي، ولا يمكن بأية حال من الأحوال ضمان هذا الأمن، باستمرار الصراع العربي - "الإسرائيلي" وتنكّر "إسرائيل" لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وبناء دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف . وإذا كان تأسيس "إسرائيل" وقبلها وجود المشروع الصهيوني قد شكّلا خطراً على العرب، فهناك عوامل أخرى كانت مقلقة بالنسبة لهم، بعضها حملت ذكريات أليمة لاحترابات وصراعات وأطماع، سواء إيرانية فارسية أو تركية عثمانية، عوضاً عن الأطماع الدولية ومحاولات فرض الهيمنة عليهم ونهب ثرواتهم ومواردهم .

وقد برز العامل الإقليمي في السنوات الأخيرة كعنصر مؤثر وكبير في الأمن القومي العربي، خصوصاً في ظل انقسام العالم العربي وانهيار الوحدات الوطنية، لاسيّما بالصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، والعراق نموذج صارخ لذلك، فقد كان ضعف كيانية الدولة العراقية بفعل الحروب والحصار وهدر الحقوق والحريات، وأخيراً وقوعها تحت الاحتلال، قد فتح شهية القوى الإقليمية في محاولة للتمدّد بعناوين مختلفة، آيديولوجية وسياسية ومذهبية فارسية أو عثمانية أطلسية تحت عباءة الخلافة التاريخية، كما استثمرت القوى الإقليمية حركة الاحتجاج التي شهدها العديد من البلدان العربية، فأخذت تتصرف وكأن ما يجري في الدول العربية المجاورة أو حتى البعيدة، باعتبارها قضيتها الداخلية، سواءً بالاعتماد على جماعات إسلامية راديكالية، كما تفعل إيران في العادة أو جماعات "إخوانية" جزءاً من تنظيم دولي، كما تفعل تركيا .

وإذا كان لكل من إيران وتركيا مشروعهما الإقليمي، فإن تصريف شحنات مشروعيهما يتم في منطقة الفراغ العربي، حيث يحاولان اختراق دوله ومجتمعاته، ويشجعهما على ذلك الضعف العربي والانقسام المجتمعي .

وقد أثبتت التجربة على مدى التاريخ القديم والحديث، أن العرب كلّما كانوا أقوياء، حدث نوع من التوازن في المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة والتعاون الإيجابي، وعلى العكس من ذلك، فإن ضعف العرب قاد إلى المزيد من احتراب المشروعين الإيراني والتركي، سواء بصيغتهما القديمة أو بتجليّاتهما الجديدة، وإنْ احتوت على جزء من الماضي، وكان الخاسر الأول، بل والأكبر هم العرب، والعراق بالدرجة الأساسية، إضافة إلى شعبي البلدين الجارين وعموم شعوب ودول المنطقة .

وثمة عوامل أخرى مؤثرة في الأمن القومي العربي، خصوصاً العامل الدولي، حيث يلعب الارهاب الدولي اليوم "فزاعة" لابتزاز البلدان العربية ودول الإقليم عموماً، لاسيّما حينما تنتشر وتتفشى ظاهرة العنف في المنطقة، بل وعلى المستوى العالمي، الأمر الذي احتاج إلى تضافر دولي لدحره، وقد حاولت القوى المتنفذة في الغرب إلصاق الإرهاب الدولي بالمسلمين والعرب كجزء من "الشانتاج" الذي تستخدمه لترويضهم، علماً بأن الإرهاب لا دين ولا قومية ولا لغة ولا جنسية ولا آيديولوجية ولا جغرافيا ولا تاريخ له .

إن السياسة الغربية إزاء الإسلام وما سمّي بالإسلامفوبيا (الرهاب من الإسلام) كانت عاملاً مؤثراً في إضعاف الأمن القومي العربي، خصوصاً بمحاولة فرض الهيمنة والاستتباع على دول المنطقة والتدخل بشؤونها الداخلية، كما لعب احتلال العراق وقبله أفغانستان دوراً سلبياً على سلم المنطقة وأمنها، فضلاً عن تعطيله للتنمية والتقدّم، وانعكس ذلك على زيادة حدّة التوتر وعلى شراء السلاح وتكديسه وعلى استغلال البلدان الغربية كلّ ذلك، لمصالحها الأنانية الضيقة من دون أية مراعاة واحترام لحقوق الإنسان، التي تدعو إليها .

وإذا كنّا بصدد العوامل الدولية، فإن وجود النفط والغاز والثروات الطبيعية الأخرى في المنطقة، أسهم في التنافس والصراع الدولي على الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي بشكل عام، الأمر الذي اعتُبِرَ بقدر إيجابياته ومردوداته المادية، فإنه عنصر سلبي، وهكذا كان نقمة بقدر ما هو نعمة، يُنتظر منها أن تسهم في التنمية والتقدّم .

وبقدر وجود عوامل صراع للقوة الخشنة للتمدّد الخارجي، فثمة عوامل ناعمة للقوة، التي تمر عبر السياسة والاعلام والاقتصاد والتمذهب والإثننة وغيرها، وهذه تتغذى على استمرار الجهل والأمية والتخلف، خصوصاً جوانب التعصب والتطرف والغلو والانغلاق وعدم الانفتاح أو الاعتراف بالآخر . وحسبما قال النفري: كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة .

عبد الحسين شعبان

صحيفة الخليج الاماراتية ، 5/3/2014